عندما كنت صغيراً، كنت أكره الرياضيات. و كنت أعتقد بأنها مملة وتستنزف الكثير من الوقت. كنت أكره حفظ القوانين حيث كانت غير متصلة بأي شيء واقعي في الحياة، ولم أكن أتحمل القيام بمئات التدريبات و المسائل. و نفس الشعور كان متبادلاً بيني وبين أستاذ الرياضيات.
بينما كان الوضع مختلفاً في المنزل، حيث كنت أنا و أمي نستغرق ساعاتٍ في المنافسة لنرى من سيحل تلك المسائل أولاً. فلو حللتها أولاً كنت أحصل على دولار إضافي فوق مصروفي اليومي. كنت أحب حل المسائل بتلك الطريقة ولم يكن هدفي الرئيسي الحصول على المال، بل كانت الطريقة ممتعة لدرجة أنها كانت تشكل تحدياً بالنسبة لي، وكانت والدتي تقوم بتغيير قوانين اللعب بسرعة مذهلة كلما اقتربت من أن أصبح ذلك المدلل المليونير!
لم أكن أدرك بأن ما كنت أقوم به مع أمي هو بالحقيقة علم الرياضيات حتى أصبحت في المرحلة الجامعية، حينها علمت بأنها علمٌ لا يعتمد على جانب حفظ المعادلات في الفصول الدراسية فقط، بل هي أقرب ما تكون بالطريقة التي كنت أنا و أمي نتعامل بها معها. فالرياضيات هي بالواقع علمٌ يمدك بالأدوات التي تحتاجها لتحل بها المسائل من حولك.
كطالب في مرحلة دراسة الدكتوراه في علم الرياضيات في جامعة MIT كنت أشعر بنفس الحماس و المتعة عند حل المسائل الصعبة كما كنت أفعل وأنا طفل، فقد كنتُ أحلها مع أمي في المطبخ. الرياضيات بالنسبة لي ككرة القدم وهي إحدى الرياضات التي ألعبها بإحترافية، حيث تشعل الرياضيات بداخلي جدوة التنافس، و الشعور بالحماس دائماً يراودني عندما تكون هناك محاولات عديدة فاشلة للوصول للحل الصحيح لتلك المسائل.
ومن ناحية أخرى لا يمكن أن تكون الرياضيات غير ضرورية في حياتنا، فالكثير من الأعمال التي أواجهها ابتداءً من الذكاءالصناعي و وصولاً للتعامل مع البيانات الضخمة بحاجة لعلم الرياضيات.
إن إحدى التحديات التي نواجهها هو جذب الطلبة وجعلهم مستمتعين بالرياضيات والعلوم، فبناء أساس قوي في الرياضيات والعلوم أحد أهم العوامل المساعدة في نجاح الطلاب في المراحل الدراسية، وفي مرحلة الدراسات الجامعية و فيما بعد في الحياة بشكل عام. لذلك تعليم الرياضيات لا ينحصر في مفهوم حل المسائل بل هو تدريب لتأهيل الطلاب لحل مشاكل سيواجهونها في حياتهم.
و لأثبت للأطفال بأن الرياضيات متأصلة في حياتهم الواقعية وأنها من الممكن أن تكون ممتعة، عملت بالشراكة مع شركة مختصة بالتكنولوجيا تسمى Texas Instruments لاكتشاف برامج حديثة نطبق من خلالها STEM في الألعاب الرياضية.
يتكون البرنامج من سلسة من الانشطة المتعددة و التي تعطي الطلبة فرصة لاكتشاف العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الرياضة التي يفضلونها، وإحدى تلك الأنشطة كمثال هي قيام الطلبة بالتحقق من مواقع تسديد الأهداف و دراستها لتحقيق الفوز.
أسعى لأن يدرك الطلاب بأن الرياضيات أبعد من كونها مادة تُدرّس داخل الفصول الدراسية بل هي ضرورة في حياتهم اليومية. أريد أيضاً أن يشعروا بأنها علمٌ ممتع، ومن تجربتي الشخصية أرى بأني كلما تقدمت في العمر الناس من حولي لا ينجذبون لحديثي عن الكرة بل عن الرياضيات، وكذلك زملائي في فريق كرة القدم يعتقدون الآن بأن الرياضيات ممتعة.
الرياضيات ليست فقط إجراء العمليات الحسابية وحفظ المعادلات والقوانين هي في كل مكان في حياتنا. هي في الرياضة عند احتساب ركلة كرة القدم المثالية و هي في سرعة الحصول على النقاط في كرة السلة، وهي في النسب التي تقيس فيها المواد الغذائية عندما تطبخ وجبة، وهي حتى في الميزانية التي تذخرها لشراء أول سيارة. عندما كنت صغيراً لم أكن أعلم بأن الرياضيات كانت تدرب عقلي لحل مثل هذه المسائل.
يومياً هناك مئات القرارات التي نتخذها ونحن بحاجة لاطلاق حكم كمي بدون أن ندرك ذلك. عندما تضع العديد من الأشياء في حقيبة صغيرة، سيكون عليك التفكير هندسياً، وعندما تضع جدولاً زمنياً فأنت أيضاً تفكر بطريقة كمية، وعندما تفكر في خيارات وبدائل مختلفة فأنت تتوجه للتفكير التحليلي.
كطفل لم يخطر في بالي بأني سأصبح في يومٍ ما عالم رياضيات فبطريقةٍ ما نصبح مع الوقت كلنا متمرسون في الرياضيات، فكلنا نواجه المشكلات التي تحتاج لمفاهيم رياضية لنحلها، وكلما كنا ماهرين في حلها نصبح بالتأكيد في أفضل حال.
ترجمة / أ. ماجده داغر
المصدر/
https://www.edweek.org/ew/articles/2016/10/12/how-to-bring-math-into-students-real.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق